أعاد الحكم الذي أصدره القضاء البلجيكي على الدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي والخلية الأمنية التي تعمل معه، ويحمل جميع أفرادها وثائق دبلوماسية صادرة عن الجهات الرسمية الإيرانية المعنية بذلك بتهمة الإعداد لتفجير اجتماع قوى من المعارضة الإيرانية في الخارج، أعاد هذا الحكم مسألة طالما كانت محل جدل وصراع داخل الدولة الإيرانية حول دور ومرجعية وزارة الخارجية التي تمثل الإدارة الدبلوماسية للحكومة الإيرانية في السيطرة وتوجيه موظفي أو كوادر هذه الوزارة واختيارهم، إن كان للعمل داخل إيران أو في بعثاتها الدبلوماسية في الخارج.

الحديث عن ثنائية

بعيداً من أي تحامل أو تحوير للحقائق، وبناء على ما يرشح من بين سطور وكلام المسؤولين الإيرانيين، بخاصة وزير الخارجية الحالي محمد جواد ظريف الذي امتلك نسبة عالية من الجرأة للحديث عن الثنائية التي تقود عمل الوزارة التي يرأسها، وتوزعها بين المؤسسة المدنية التي تعبّر عنها الحكومة المشكَّلة من رئيس منتخب، وبين المؤسسة العسكرية، تحديداً “حرس الثورة”، التي سعت وعملت واستطاعت فرض هيمنتها وإرادتها على اختيار الأشخاص الذين يعملون في البعثات الدبلوماسية الإيرانية في الخارج. وهنا كان أغلب الظن أن هذه المؤسسة العسكرية عملت على التحكم بالبعثات الإيرانية التي تعمل في الدول التي تشكل عمقاً استراتيجياً للنظام في منطقة غرب آسيا وتحديداً في الشرق الأوسط كما هي الحال في العراق مع الجنرال ايرج مسجدي وأسلافه، وفي اليمن مع الجنرال حسن ايرلو، وكذلك في أفغانستان مع بهادر أمينيان وغيرهم، إلا أن ما كشفه الحكم القضائي البلجيكي يحمل على الاعتقاد بأن دائرة نفوذ هذه المؤسسة يشمل مجمل البعثات الخارجية في العالم.

أدوار وسياسات

في المقابلة التي أجراها مع صحيفة “اعتماد ملي” ونُشرت بتاريخ 23 يناير (كانون الثاني) 2021، يقول ظريف في توصيف الدور الذي يقوم به في الموقع الذي يشغله “أنت منفذ سياسات، وقد يكون لك دور محدود فيها. لقد كان لي دور أكثر في ترسيم سياسات الاتفاق النووي، أما في السياسات الإقليمية فقد كان دور محدود أكثر. في ترسيم السياسات الإيرانية مع روسيا والصين كان لي دور بارز، في ترسيم السياسات الإيرانية مع أميركا اللاتينية كان لي دور مهم جداً، أما في ما يتعلق بالسياسات الإقليمية لإيران فقد كان دوري قليلاً، لا أقول إنه لم يكن لي دور، بل دور أقل، إلا أنني كنت منفّذاً لكل هذه السياسات ومدافعاً عن كل ما قامت به الجمهورية الإسلامية. قد يكون هناك بعض السياسات التي هدفت إلى إيجاد الخلل في عملي، إلا أنني عندما أقف في مواجهة العالم، أكون ممثلاً لمجموعة السلطة الإيرانية، وعليه يجب أن أدافع عن أشياء لا أعتقد بها شخصياً ولديّ انتقادات لبعضها”.

ما لم يقله ظريف

قد يكون ما قاله ظريف عن توصيف دور وزير الخارجية ينطبق على كل وزراء خارجية دول العالم، أي أن مهمة الوزير هي تنفيذ سياسات النظام أو الدولة التي يمثلها، وقد يكون في كثير من الأحيان شريكاً في صناعة القرار، بخاصة على المستوى الدولي بحكم موقعه ودوره. إلا أن ما لم يقله الوزير الإيراني الذي يُعتبَر الأقوى بين الوزراء الذين سبقوه خلال العقود الأربعة الماضية من تاريخ إيران الحديث، هو غياب الصلاحيات القانونية المحفوظة لهذا الموقع في اختيار دبلوماسيي البعثات في الخارج من ضمن آليات الوزارة التي يرأسها، أي أن هذه الصلاحيات سُلبت منه وأُخرجت من دائرة صلاحياته، تحديداً وبشكل واضح في عملية تعيين رؤساء البعثات العاملة في الدول التي تشكل المجال الحيوي للنفوذ الإيراني في الإقليم والعواصم الفاعلة في الاستراتيجية الإيرانية، فالسفير الإيراني في روسيا كاظم جلالي لم يأتِ إلى هذا الموقع عبر الآليات القانونية، بل هبط على الوزير بعد انتهاء مهمته في البرلمان كأحد نواب التيار المحافظ من خارج الملاك الإداري للوزارة على غرار مسجدي وايرلو وامينيان وغيرهم.

هذا التداخل في صلاحيات وزارة الدبلوماسية الإيرانية، بين مؤسسة الدولة التي تعمل من داخل الأطر القانونية وملاكات الدولة والاختصاص، وبين المؤسسة العسكرية (حرس الثورة) التي تستقطع من البعثات الخارجية التي تشكل ساحات نفوذ لها، يطرح سؤالاً حول تحويل العلاقات الخارجية للنظام الإيراني في علاقته مع المحيط، إلى دبلوماسية عسكرية يقودها جنرالات فُرِضوا من خارج السياقات الطبيعية للعمل الحكومي.

مرجعيتان سياسيتان

هذه الثنائية في السياسة الخارجية الإيرانية، أوجدت مرجعيتين سياسيتين، واحدة هي الوزارة المعنية رسمياً وتتعامل مع السفراء الذين كلفتهم من خلال الأطر القانونية، والثانية عسكرية تابعة لـ “حرس الثورة”، ترسم طبيعة العلاقة مع الدول التي تهمين على السفارات فيها، بالتالي تتحكم بالمعلومات والمعطيات التي يُفترض أن تُمرَر إلى الوزارة المعنية من منطلقات أمنية وعسكرية.

وشهد تدخل المؤسسات العسكرية والأمنية في وزارة الخارجية والسياسات الدولية، صعوداً وهبوطاً، وصل إلى مرحلة من التوازن بين الالتزامات الدبلوماسية والضرورات الأمنية في عهد الرئيس محمد خاتمي مع تغليب الدور الدبلوماسي، إلا أن هذا التوازن انكسر في عهد محمود أحمدي نجاد لصالح المؤسسة العسكرية، بحيث أصبحت وزارة الخارجية في قبضة هذه المؤسسة، ما أدى إلى خروج الكثير من الجهاز الإداري والسياسي من هذه الوزارة.

مع انتخاب حسن روحاني لرئاسة الجمهورية واختيار ظريف، الدبلوماسي المستبعَد عن العمل في عهد أحمدي نجاد، لتولي الخارجية، بدأت معركة استعادة صلاحيات هذه الوزارة، إلا أن الصعوبات التي واجهها ظريف انتهت إلى عقد تسوية تقضي بأن يكون شريكاً في السياسات الإقليمية، مقابل هامش أوسع ودور أكبر في السياسات الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالمفاوضات النووية، ولعل إعلان ظريف استقالته بعد اكتشافه لزيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران واستبعاده عن تفاصيلها ومجرياتها، كانت المؤشر الواضح عن تضارب الصلاحيات والتهميش الذي تمارسه المؤسسة العسكرية لدور الوزارة التي يُفترض أن تقود علاقات إيران الدبلوماسية وعلاقاتها مع المجتمع الدولي.

من جهة أخرى، فإن القيام بأعمال أمنية من خلال الاستفادة من الغطاء الدبلوماسي الذي مارسته إيران في قضية أسدي وخليته، يساعد في تفسير السلوك الأمني الذي تتعامل به طهران مع البعثات الدبلوماسية العاملة على أراضيها بغض النظر عن العرف الدبلوماسي الدولي الذي يعتبر أن من ضمن مهمات السفير أو الدبلوماسي رفع تقارير لحكومته عن أوضاع الدولة التي يعمل فيها في إطار الضوابط والقوانين التي حددتها المعاهدات الدولية التي ترعى العمل الدبلوماسي، وشكّل هذا السلوك أيضاً أرضية التعامل مع الصحافيين الأجانب، واعتبارهم “جواسيس” للجهات التي يعملون لصالحها، ولا تتردد السلطات الإيرانية في اعتقالهم أو التحقيق معهم أو التضييق عليهم وطردهم.

The post appeared first on وكالة نيوز.



from وكالة نيوز https://ift.tt/3rJlWRq
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل