طابور الحكومة يتخلف عن طوابير الأزمات والإنهيارات؟ الرهانات الخطأ والنماذج القاتلة؟

اللواء

في واحدة من أقسى الاختبارات، التي تواجه لبنان، في مستهل سنة ثالثة من التأزمات، من الإنهيارات المالية، إلى الحصارات الإقتصادية، مروراً أو وصولاً (لا فرق) إلى انهيار النظام الصحي، بقاء البلد مشرّعاً أمام اللاسلطة، وحتى اللادولة، ووضعه بأيدٍ، سمتها قلة الخبرة، والإعاقات الأصلية، عن فهم ما يجري، وتفكيكه ما أمكن، بدلاً من ربطة بحبائل المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إذ ينظر الرئيس المنتهية ولايته، دونالد ترامب إلى هذه النافذة، باعتبارها المنفذ الممكن، الوحيد، للبقاء في سدة الرئاسة، بعدما هزمه جو بايدن، مرشّح الحزب الديمقراطي شرّ هزيمة، وهو الذي (أي ترامب) يستدعي الجموع المؤيدة له إلى التظاهر، قبل السادس من هذا الشهر، لإعلان الرفض لما يسميه سرقة «الانتخابات الأميركية»، والتي آلت إلى فشله، وفوز خصمه، الذي يُعد العدة مع حزبه، وخصوم ترامب من الحزب الجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ، لإقصاء «الرئيس المتمرد»، الذي لم يبق أمامه، إلا ورقة واحدة، وهي إعلان الحرب على إيران، في غضون الأيام القليلة المقبلة.. حتى يتمكن من دون حصول الانتقال على مستوى الإدارة..

ثمة مؤشرات جدّية على ان المواجهة العسكرية في الخليج، والعراق، وربما في سوريا، امتداداً إلى لبنان وغزة ممكنة الوقوع، وفي وقت قريب، مع رفض الإدارة الحالية السماح لفريق بايدن الانتقالي الاجتماع مع وكالات الاستخبارات الدفاعية، الأمر الذي أدهش العالم، وفاقم من مخاطر عدم حدوث الانتقال الدستوري الهادئ للسلطة في الدولة المركزية الكبرى، والأولى في العالم..

الخطوة الترامبية هذه، عززت المخاوف من وجود «خطط سرية قريبة لمهاجمة إيران، بذريعة نمو المخاطر الناجمة عن دورها، في حين ان الهدف الحقيقي هو البقاء في البيت الأبيض، ومنع الرئيس المنتخب من ان تطأ قدماه، مركز إدارة القرار الدولي، بدءاً من استخدام القوة الأميركية في كل المجالات.

وإذا كان الحرس الثوري الإيراني، بدءاً من العراق إلى لبنان وغزة، يستنفر القوة الصاروخية للفصائل، الحليفة لطهران، للاستعداد لموجة نوبة الصرع «الترامبية»، إذا جاءت، تمضي الدولة الفرنسية في دعم التواصل مع الجهات اللبنانية، من مؤسسات رسمية مترنحة إلى بكركي، الناهضة بدور سياسي، مباشر، لإعادة لمّ الوضع المسيحي أولاً، واللبناني تالياً، في واحدة من المهمات الكبرى، التاريخية، لإحتواء استباقي، لأي مخاطر، تعصف بالوجود المسيحي، الذي يتعرّض على أرضه، لموجات من السرقة، والخطف، والقتل، والاستهداف، والتخريب، إضافة إلى سائر المناطق، ولكن على نحو أكثر شبهة، وضعت مصير المسيحيين، على المحك مجدداً، بدءاً من تداعيات انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الماضي.

بعد غد الأربعاء، ستشهد بيروت سلسلة لقاءات، لوفد من الشيوخ الفرنسيين، في محاولة لتعويم المبادرة الفرنسية، واستطلاع الوضع عن كثب، عبر لقاءات مع كبار المسؤولين، والبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ومواعيد أخرى، تولت السفارة الفرنسية في بيروت، تحديدها..

وسط، هذه المعمعة، التي تضع لبنان، على كف عفريت، في مرحلة انتقالية، دولياً وإقليمياً، يواجه البلد، أصعب اختبار، بدءاً من الأسبوع الطالع، ويتمثل، هذا الاختيار، بالعودة إلى خيار الإقفال التام، وبوضعية أشد قسوة، بعدما تغلبت مقاربة «الصحة أهم من الاقتصاد» على وجهة نظر، تحاول ان توازن بين الإقتصاد والصحة، وليس على حساب القطع، أن الأولوية للمال والأعمال، أو الأولوية لحفظ صحة، ودرء مرض فتاك، متحوّر، هو وباء كورونا، الذي ضرب البلد بالصميم، في عطلة ما بين عيد الميلاد المجيد ورأس السنة الميلادية، مما أعطى المجال، مع ارتفاع عدد المصابين إلى حدود تجاوز الثلاثة آلاف يومياً، وانعدام الأسرّة في العناية المركزة، وتأخر وصول اللقاح، على الرغم من «التطبيل والتزمير» أن المال المليوني رصد، وان الاتفاقية وقعت مع الفايزر، وان الخطط أعدت للبدء بإعطاء اللقاح في الأسبوعين الأوّلين من شباط المقبل.

نجح نقيب الأطباء شرف أبو شرف، ونقيب أصحاب المستشفيات الخاصة سليمان هارون، ومدير مستشفى الحريري الجامعي فراس الأبيض، ورئيس اللجنة الوطنية للأمراض السارية والجرثومية عبد الرحمن البرزي، والمستشارة في السراي الكبير بترا خوري، في فرض خيار الصحة قبل الاقتصاد، والاتجاه إلى اقفال البلد فترة زمنية، باتت مرتبطة حكماً بوصول لقاح الفايروس، الذي يخضع لتجارب في عدد من البلدان الأوروبية والخليجية، فضلاً عن لقاح الصين، الذي أوقف امتداد الوباء في الجمهورية العظمى، وكذلك في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية..

لا حاجة لمناقشة «المجتمع الطبي» في رؤيته للتصاعد المرضي، عبر التفشي المجتمعي، الناجم بصورة رئيسية عن فتح البلد، من مطاره إلى بحاره، وأنديته الليلية ومطاعمه، وفنادقه التي ما زالت فخمة، وإحياء رأس السنة، مع بذخ، أشعر كثيرين في الخارج، ان لا أزمة، ولا من يحزنون في لبنان، ولكن سوق الخيارات، على هذا النحو العاصف، بتقديم خيارات على خيارات فيه من الخفة ما فيه، إلا إذا كان الأمر يتعلق بتقديم، الغاية منه، «تغطية السماوات بالقباوات» كما يقال، مع معلومات، باتت متاحة، عن التحضير لحركة احتجاج واسعة في الشارع، تتحدد معطياتها، بدءاً من بعد غد الأربعاء، بعد اجتماع فصائل الحراك، الذي انضمت إليه بقوة الحركة الطلابية الصاعدة، والتي أيقظت خوفاً أكيداً عند الجماعات، الممسكة بالسلطة، والعاملة على إبقاء الرهانات على حالها، دون حدوث أي اختراق جدي، في الجسم السياسي، العاجز، حتى عن بناء ثقة وتواصل بين مكوّناته (وتجربة تأليف الحكومة شاهد على ذلك).

فضلاً عن معلومات، عن انكشاف حركة التسريح في المؤسسات، التي اقتربت من الإنهاك أو الإفلاس، بدءاً من الجسم المصرفي الذي يحتاج لفترة اقفال إضافية، علَّه يتمكن من احتواء موجات الصرف التعسفي، على الرغم من الإغراءات التي أعطيت للعاملين، على مستوى تعويضات الصرف من الخدمة.

من زاوية العجز الطبي، يمكن ان تعطى التبريرات المقنعة أو الكافية، ولكن الخوف، الذي يكتسب مكانه الصحيح، هو أن الاقفال فرصة، لإخفاء أو الحؤول، دون انكشاف إضافي في الوضع، مع اشتداد الضائقة المالية، مع موجة ارتفاع جديدة للاسعار، لا سيما أسعار المواد الغذائية، من الزيوت، إلى الحبوب، والمعلبات، والخضار والفواكه، والمعجنات، بالتزامن مع احتمالات المواجهة المفتوحة في المنطقة، واقفال المطار أو الحدّ من التدفقات المالية والبضائعية، يضاف إلى كل ذلك، النقص الحاصل، في سلع، كالبنزين، والمازوت، مع عودة التهريب على خط بيروت – دمشق الخ…

هكذا، ينتقل البلد من طوابير إلى طوابير، طوابير عجقة السير، وطوابير استجداء ليترات البنزين، مع بدء رفع الخراطيم وطوابير شراء الأدوية، التي «تقنّن» أو تتناقص في الصيدليات (مع الأخذ بعين الاعتبار التهريب إلى الخارج)، وطوابير فحوص كورونا PCR للمقيمين، والراغبين بالسفر أو العودة إلى البلدان، التي جاءوا منها..

على مشارف 200 ألف إصابة بالكورونا، وآلاف الموتى من جرّاء احتدام المرض، وقطع الطريق إلى بلوغ «الحالة الإيطالية»، تمضي الطبقة السياسية، تبحث عن أرباح إضافية، من «انهار الأزمات»، أو الفرص المتاحة للإثراء المشروع، وغير المشروع، من دون تعريض مكتسباتها السياسية والمالية، لأي اهتزاز..

على أن الأهم، من استقدام «النماذج» أو العيش ضمنها، تبدو «التجربة الأميركية»، التي هي الآن قيد الإختبار، مغرية للطبقة السياسية، للحفاظ على ديمومتها، إذا حان موعد الانتخابات النيابية، بعد التجاذب الفاشل، والحاصل، حول إنتاج قانون انتخاب جديد، يُعيد تموضع القوى النيابية، وكتلها، بهذا الاتجاه أو ذاك، من الاحتفاظ بالقوة الناخبة، أو المؤثرة، أو إعادة بناء التوازنات، لجهة البقاء بالسلطة..

ليس من الممكن، سوى انهيارات متتالية، على المسارات المذكورة، أمّا احتمال تأليف حكومة، بتوازنات معروفة، لاحتواء الخسائر، فهو أمر ما يزال في عالم الغيب، وان كانت المؤشرات تستبعد انقشاع الصورة أقله هذا الشهر!



from وكالة نيوز https://ift.tt/3b5K8bn
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل