الحريري فاتحاً في السراي: “إحمني بحميك”

“ليبانون ديبايت” – عبدالله قمح

خرقَ الرئيس المكلّف سعد الحريري “شرنقة” الحصار السني عن رئيس حكومة تصريف الاعمال حسّان دياب. موسمٌ كاملٌ من القطيعة السياسية والمذهبية السنية للرئاسة الثالثة أنهى الحريري مفاعيلها السلبية بإنزالٍ من خارج الخطوط المرسومة… هكذا، يتحوّل التعاضد الطائفي إلى فعل أقوى من التضامن الوطني بأشواط!

استيقظَ الرئيس سعد الحريري أخيراً على صلاحيات الرئاسة الثالثة “المهدورة”. حذق من أدخل في رأس الحريري فكرة أن يتوجّه إلى السراي ويتضامن مع دياب على بركة “حماية الموقع السني” رغم أن الحريري نفسه يجب أن يسأل عن جولات “خردقة الموقع والصلاحيات” زمن رئاسته للحكومة بشهادة بيانات “مجلس” رؤساء الحكومات السابقين.. الخ.

لكن للضرورة أحكام. استيقظ المستوى السياسي والديني السني على واقعة لم تحدث في جمهورية الطائف: ملاحقة رئيس حكومة أمام القضاء. كان يجب أن يحصل تحرّك لامتصاص حالة الغضب التي اعترت المشهد، فتبرّع الحريري لأن يكون “الانتحاري” الذي يدخل السراي رسولاً ينوب عن المستوى السني العميق بكافة أركانه. أخذَ هاتفه وحجز موعداً وتوجّه إلى السراي وقد استقبل على بوابة القصر استقبال الفاتحين، ولهذا دلالة هامة.

لقد وجدَ رئيس تيار المستقبل في ادعاء المحقق العدلي في تفجير المرفأ القاضي فادي صوّان على الرئيس حسّان دياب إختراقاً للموقع السني الاعلى في الدولة، فهب للدفاع عنه. ربما في اعتقاده أن هناك من يستضعف الموقع. وبالمناسبة، ثمة على يمين الحريري من رفع من قيمة المسألة و “شقلها” إلى حدود “غزوة”. قال متوجهاً إلى الحاضنة المسيحية: “بترسموا الخط الاحمر على موقع رئاسة الجمهورية منرسم ٣ خطوط على موقع رئاسة الحكومة.. ومنتهية!”

هكذا بشخطة قلم تحوّلت المعركة من مواجهة قضائية إلى مواجهة ذات أبعاد طائفية مذهبية زجّت بها السياسة من خارج شوار حسان دياب الذي فرضت عليه معركة بتوقيت مُريب لم يختره هو، وعلى ما يبدو أخذته السكرة، غافلاً ربما عن إحتمال ولو ضئيل حيال وجود دافع ما يتربص به ويريد توريطه في معركة أكبر، معركة رسم خط أحمر مبكر أمام أي محاولة مستقبلية للقضاء، أو أحد من القضاء، اي أحد، لأن يطال رأس أي رئيس حكومة مقبل، تحت أي صفة أو مبرّر كان.

الفكرة باختصار: “اليوم نُسلّف حسان دياب وغداً يأتي من يسلّفنا”، وهكذا دوليك. الفكرة تقوم على بناء “جدار حماية وعزل” أمام أي رئيس حكومة كي يعمل متحرراً من ثقل القضاء وإحتمالات تحريكه ضده. المسألة كل المسألة ترتبط بالحماية إذاً، توفير الحماية الطائفية تحديداً. فعندما يستطيع القضاء ان يمد يده على أي رئيس حكومة، يُكسر التابو الطائفي. لذا يجب أن يتعاضد الجميع في كنف رئيس الحكومة، اي الرئيس، حمايةً ليس له فقط أو للموقع الذي يمثله -من وجهة نظرهم- بل حماية لكل رئيس حكومة سبق وأن مرّ وسيمرّ على السراي وبمفعول رجعي، من فؤاد السنيورة إلى سعد الحريري وما بينهما.

إذاً الموضوع أكبر من قضية توفير حماية ودعم لحسان دياب. اصلاً، حسان دياب لا يحتاج إلى حماية الآن، ولا إلى من يحميه، تاريخه يحميه، ولو كانت النوايا صافية لكان يجدر حمايته ودعمه، من قبل أركان طائفته وسياسييها وعموم معشرها الشرعي، حين كان “غراب البين” يأكل من لحم دياب السياسي في السراي وعلى مرأى من الجميع.

مع ذلك كله، تمكّن سعد الحريري من إقتناص الفرصة وضمّ نقطة إلى قاموسه. هناك من على ضفة الخبثاء في السياسة من ذهب في اعتقاده الى حدود القول أن خطوة الحريري تجاه دياب “مدفوعة الثمن السياسي”، بمعنى أن رئيس الحكومة المكلف يرمي من وراء خطوته تلك لتحصيل ثمن توفير حماية مذهبية – سياسية لصالح حسان دياب. والتحصيل متعدد الأوجه، قد يكون على سبيل دفع دياب بصفته رئيساً لحكومة تصريف أعمال إلى توسيع نطاق بحثه في مسألة الدعم، والانتقال من حالة الترشيد إلى الرفع ترييحاً لحكومة الحريري العتيدة المسكونة بهاجس الدعم وما شاكل، على قاعدة “هيك هيك فالل”، وربما، قد يكون الثمن على سبيل تموضع دياب إلى جانب الحريري في معركة الأخير بوجه رئيس الجمهورية على مسطح تأليف الحكومة، بعد أن باتَ رئيس الحكومة المكلف مدركاً أن ما تولى تقديمه من تشكيلة حكومية “لن تمرّ عند الرئيس” المسكون بهاجس أن الحريري “لا ينفع لترأس حكومة في آخر سنتين من عمر العهد”.

هكذا، إنتهت محاولة الحريري لإنجاز توليفة حكومية مرضى عنها، وإدراكه بأمر واقع إنتهاء صلاحية التشكيلة قبل قراءتها من الجهة المقدمة لها حصل عند قيام، الجهة نفسها، بتقديم تشكيلة مضادة على سبيل القوطبة عليه، ما كان أقرب إلى “كمين سياسي” اعد للحريري في القصر منه إلى مد المكلف بجرعة مساعدة.

الحالة الآن يمكن اختصارها بالتالي: الحريري بصفته رئيساً مكلفاً ينتظر الرد –الذي لن يأتي- من بعبدا على صيغة قدمها، وبعبدا تنتظر رداً من الحريري على تشكيلة يعتبر الأخير أنه غير ملزم بها، لذلك لن يرد.. وهكذا يمضي المستوى السياسي بكافة أركانه جالساً على قارعة الإنتظار، إنتظار أقرب إلى حالة العدم واللاشيء، حتى يقضي الله أمراً كان مفعولا.



from وكالة نيوز https://ift.tt/2LxQN3x
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل