كيف يبقى إرث تاتشر على قيد الحياة بعد 30 سنة من إطاحتها؟ أمسكت السيدة الحديدية السلطة 11 سنة وتركت بصمة على حزب المحافظين والبلاد وثمة صورة جديدة يرسمها لها فيلم “التاج”

ما زال زمن رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر عالقاً في الأذهان (غيتي)

على الرغم من أن جيليان أندرسون أدت شخصية مارغريت تاتشر في فيلم “التاج” بشكل مدهش، فإنني لست متأكداً أنها تستطيع حتى أن تنقل بشكل كامل الطريقة التي هيمنت بها تاتشر على السياسة البريطانية، وفي الواقع معظم جوانب الحياة في هذه البلاد، على مدار عقد كامل. ينطبق ذلك أيضاً على كيفية استمرار إرث امرأة خرجت من منصبها قبل 30 عاماً، مخيماً علينا جميعاً حتى الآن.

يمكنني أن أتذكر بوضوح أين كنت حين سمعت خبر تنحيها في نهاية المطاف. لم أكن في موقع عظيم يليق بالمناسبة المهمة، بل في محطة “شل” للوقود في شارع “فولهام بالاس”. كنت قد عبأت للتو سيارتي من نوع “ميني”( سيارة “أوستن ميني” الأصلية فعلاً) ثم ذهبت إلى المكتب كي أدفع ثمن الوقود، وفي تلك اللحظة بدأ الراديو بإذاعة الخبر. في تلك اللحظة فعلاً. ثم ذهبت إلى عملي في “هيئة الإذاعة البريطانية” (“بي بي سي”)، ولم يكن من الصعب معرفة ما هي القصة الرئيسة حينذاك.

بكل تأكيد، لقد شكل ذلك أمراً مثيراً أكثر مما حصل حين استقال توني بلير أو ديفيد كاميرون مثلاً. فقد أُلقي بماغي خارج السلطة بعد فترة تجاوزت السنتين بقليل من إحرازها الانتصار التاريخي الثالث للمحافظين، ومن تحويلها الاقتصاد وإعلاء مكانة بريطانيا في العالم. بيد أن أعضاء مجلس العموم من نواب حزب المحافظين الذين يدين الكثير منهم لها بفتح باب العمل السياسي أمامهم، كانوا قد سئموا منها.

كانت الـ”بول تاكس” Poll Tax (“ضريبة المجتمع” التي فرضتها تاتشر) المكروهة للغاية، تقضي على حظ المحافظين بالفوز بالانتخابات من جديد، وعانى الاقتصاد حالة ركود، وكذلك أحرج عداؤها العنيف للطموحات الفيدرالية للمجموعة الأوروبية، في الشكل الذي استمر عليه آنذاك، كبار زملائها. وقد أكد أسلوبها الملكي لكثير من هؤلاء الزملاء أنها مختلة العقل، وفق عبارة كانت شائعة في ذلك الوقت. لقد توجب أن تغادر منصبها. هكذا زحفوا باتجاهها. فألقى جيوفري هاو أهم خطاب في حياته، وامتشق مايكل هيزلتاين خنجره استعداداً لطعنها، فيما ورث التاج جون ميجور الذي لم يحظ بتقدير كبير من أحد.

تكمن المفارقة الكبيرة في أن عملية قتل الملك على هذا النحو قد صُممت كي تساعد في توحيد حزب المحافظين وتسوية سياسته حيال أوروبا كي تصبح أكثر تنظيماً وأقل تناقضاً. غير أن أسلوب إطاحة رئيسة الوزراء بقي أشبه بالشبح الذي طارد الحزب على امتداد العقود الثلاثة التالية، وعمّق الانقسامات في صفوفه. حاول جميع من خلفوا تاتشر في رئاسة الحكومة من المحافظين، استرضاء الفصائل الحزبية المختلفة التي تصرفت بشراسة، وفشلوا في تهدئتها. وحده مشروع الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست) جعل ذلك الجدال زائداً عن الحاجة، في نهاية المطاف.

آنذاك، بدت الصدمة ونُذر الأحداث واضحة، وسرعان ما وجدت طريقها إلى مذكرات تاتشر، وتجلت في معارضتها المتشددة على نحو متزايد الاتحاد الأوروبي (تتباين الآراء حول كيفية تصويتها في استفتاء 2016 لو أن الفرصة سنحت لها بالمشاركة). في تسعينيات القرن العشرين، تمرّدت على حكومة المحافظين بأن وقفت ضد “اتفاق ماستريخت” [من الاتفاقات الأساسية للاتحاد الأوربي]، ولم تخفِ خيبة أملها في خلفها جون ميجور.

في سيرتها الذاتية، بدت المرارة واضحة للعيان، وظهر احتقارها للرجال الذين كانوا من حولها كاملاً، وعبرت عنه بطريقة أفضل مما يمكن لأي كاتب سيناريو لدى “نتفليكس” أن يفعل. وقد التقى بها أعضاء مجلس وزرائها (ممن عيّنتهم جميعاً وكانوا مدينون لها بكل شيء) واحداً تلو الاخر، على انفراد، ونقل معظمهم لها الرسالة الودية نفسها، لكنها رسالة نَمَّتْ عن النفاق، ومفادها أنهم يؤيدونها بوضوح إلى آخر ما هنالك.

في المقابل، ستخسر تاتشر التصويت بين أعضاء مجلس العموم المحافظين. وإذ اُخذت الأشياء كلها في الاعتبار، بدا الأفضل أن تستقيل حينذاك محافظة على كرامتها. وقد وصفت ذلك بنفسها بإنه “خيانة مع ابتسامة على الوجه”. وكتبت في مذكراتها سنة 1993 “لقد حزّ الأسى في نفسي. كان بوسعي أن أقاوم معارضة الخصوم والمنافسين المحتملين، وحتى أن احترم هؤلاء على ذلك. لكن ما آلمني تمثّل في تخلي الذين لطالما اعتبرتهم أصدقاء وحلفاء عني، وماقالوه من عبارات مراوغة حولوا من خلالها غدرهم إلى نصيحة صريحة وقلق حول مصيري…”

أضافت، “عادة، يقف الوزراء في حجرة الانتظار التابعة لقاعة اجتماعات مجلس الوزراء في مجموعات، ويمزحون مع بعضهم بعضاً ويتجادلون. لكن في هذه المناسبة، ساد الصمت. وقفوا وظهورهم إلى الجدار وتلفتوا إلى الاتجاهات كافة باستثناء وجهتي أنا… شعرت طوال ذلك اليوم والأيام القليلة التي تلته، كأنني أسير في نومي بدلاً من أن أعيش كل ما يجري، وأحس به. لكن، تغلبني عواطفي آنذاك، بين حين وآخر، فتفيض عيناي بالدموع”.

إنه لعالم هَرِم ومضحك، بحسب تاتشر في ذلك الوقت، إلا أن الإصلاحات الاقتصادية التي أجرتها لاتزال تبدو آمنة في أغلب الحالات، مع أن خليفتها الحالي يتبع نهجاً يتسم بالاستخفاف بالمال العام والاقتراض. وقد اعتبرتْ [تاتشر] ذات مرّة أن [رئيس الوزراء العمالي السابق] توني بلير، يشكّل أعظم إنجاز حققته. لعل ذلك يعود إلى إلغاء الاشتراكية في عهده، وهو إنجاز يبقى في أمان أيضاً على الأغلب باعتبار أن كير ستارمر، بات زعيم حزب العمال حالياً.

والآن وقد بات موقفها المتشدد في تشكيكه بأوروبا، الذي تبنته في وقت متأخر من مسيرتها السياسية، سائداً في حزب المحافظين، فإن الحرب الأهلية التي شهدها [ذلك الحزب] من حين إلى آخر في أعقاب سقوط السيدة الحديدية، قد شارفت أيضاً على نهايتها. ومع أن أعضاء حزب المحافظين في هذه الأيام قد لا يكونون جميعاً من أتباع تاتشر، كما أنك لاتسمع كثيراً مصطلح “التاتشرية”، فإن هؤلاء الأعضاء جميعاً بكل تأكيد من المشككين في أوروبا. ولا بديل آخر.

© The Independent

The post كيف يبقى إرث تاتشر على قيد الحياة بعد 30 سنة من إطاحتها؟ أمسكت السيدة الحديدية السلطة 11 سنة وتركت بصمة على حزب المحافظين والبلاد وثمة صورة جديدة يرسمها لها فيلم “التاج” appeared first on وكالة نيوز.



from وكالة نيوز https://ift.tt/39oFrbL
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل