فلسفة الادارة وماهيتها

د. شريف نورالدين بتاريخ: ٢٨ / ١٠ / ٢٠٢٠ م.

فلسفة الادارة وماهيتها

* مقدمة:

– الإدارة بحد ذاتها كما هي، من حيث كينونتها وحدودها، المتمثلة بفعل الإرادة الإلهية السرمدية الأزلية، مصدر الأمر وأول الخلق{إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}(يس ٨٢)، وهي المعلول، أما العلة، العالم، القادر، القوي ومالك الملك، نشأة الأكوان اللامتناهية من سماوات وأراضين وما فيهم وبينهم وعليهم.

{فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}﴿٢٩ البقرة﴾
{عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [ العلق٥].

{قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ} ﴿٦٥ الأنعام﴾

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} ﴿٦٦ هود﴾

{تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير}{الملك١}

– كما أن الإرادة والإدارة كلمتان مختلفتان لفظا”، لكنهما متلازمتان، هما كالقلب والعقل من الانسان، الصورة المصغرة عن الكون، قول الإمام علي(ع)(إنك لجرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر).

( وقد خلقكم أطوارا ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) [ ص: ١٢٤].

– بدءا على ذي بدء، الإرادة أولا” وتليها الإدارة، ما أراد ويريد، لتحقيق الغاية والوصول إلى الهدف.

قوله تعالة:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: ٥٦].

{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ* يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ* وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ* وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[النحل: ١٠-١٤].

{وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ* وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[النحل: ٥-٨].

– أما الإرادة والإدارة، هي الابداع، الابتكار، التقويم، التنسيق و التنظيم، منذ بداية خلق الوجود والخلق.

قال تعالى: “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” {١١٧ البقرة}.

{قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ يونس (١٠١).

{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}(التين٤).

“قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً للسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (فصلت، آية ٩-١٢).

* تعريف الارادة:
– الإرادة في القرآن:
وردت مادة “راد” واشتقاقاتها في القرآن ( ١٣٢
) مرة ومن أنواعها ورد:

– الإرادة الإلهية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.

– الإرادة الإنسانية: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ ، أو أن تكون إرادة في الشر، قال الله تعالى : ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.

– الإرادة الشيطانية : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾

– الإرادة لدى بعض الفلاسفة:
أوضح إنجلز أن حرية الإرادة لا تعني شيئاً إلا المقدرة على اتخاذ القرارات بمعرفة الذات. أن الطابع الإرادي لفعل ما، يظهر بوضوح شديد حينما يتعين على شخص أن يتغلب على عقبات معينة، خارجية أو داخلية، ليحقق هدفه والمرحلة الأولى لفعل إرادي تكمن في وضع الهدف واستيعابه، ويتبع هذا قرار الفعل واختيار أنجح وسائل الفعل. ولايمكن وصف فعل بأنه فعل إرادة إلا إذا كان تنفيذاً لقرار ذاتي، وقوة الإرادة ليست منحة من الطبيعة، فالمهارة والمقدرة في اختيار هدف ما، واتخاذ قرارات سليمة وتنفيذها، وإتمام ما بدئ فيه هي ثمار معرفة وخبرة وتربية ذاتية.

– يذهب المثاليون إلى أن الإرداة خاصية مستقلة عن المؤثرات والظروف الخارجية.

– يرى الماركسيون أنها ثمرة المعرفة والتجربة والتربية.

– أما الرواقيون فيرون أن الإرادة أساس المعرفة والسلوك، لأنها جهد نفسي يقوم عليه الإدراك الذهني.

– وذهب ديكارت إلى أنه لا إرادة حيث لا استطاعة.

* تعريف الادارة:
– الإدارة في القران:
(نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا).

(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ).

– تعريف الادارة (بالإنجليزية: Management):
ما بين النظرية والممارسة والتطبيق، إلى أحد العلوم والحقول الدراسية التي تعنى بالسلوك الإنساني في الحياة العملية والمهنية، وتصف وتفسر الظواهر بما يضمن تحقيق الأهداف المطلوبة، أما الإدارة كممارسة أو كنشاط تطبيقي هي منظومة متكاملة من العمليات المرتبطة ببعضها البعض تسعى إلى تحقيق أهداف المنظمة، وتتكون من عدة عمليات تتمثل في التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة والقدرة على التعامل مع المشكلات وبالتالي التوصل إلى قرارات سليمة، من خلال الاستغلال الأمثل للموارد البشرية والمادية المتاحة، ويتضح مما سبق أن تعريف الادارة ودورها لا يستهان به في تكوين وإيجاد أرضية صلبة وأساس متين للنهوض بالمجتمعات والمنظمات والأفراد على حدِ سواء، وذلك من حيث تهيئة المناخ لها من خلال تضمنها لعمليات وأنشطة متعاقبة من شأنها أن تنظم العمل بالمنظمة وتحدد آلية استغلال الموارد البشرية والمادية بصورة شاملة، إلا أنها أضحت غير كافية للوقوف والصمود في وجه التحديات والتغيرات التي رافقت ظهور ما يُسمى بالعولمة.

توضيح تعريف الادارة ، فإن له عدد لا محدود من التعريفات، منها ما يندرج في الخانة العلمية والأكاديمية، ومنها ما هو ايديولوجي وسيكولوجي، ومنها ما هو من جانب اقتصادي أو سياسي، ويرجع ذلك بالأساس إلى التباين الأيدولوجي وحسب تأثير هذا المفهوم على بلد المختص بظاهرة العولمة، حيث يختلف مفهومه لها إذا كان سلبياً عن مفهومه لها في حال كان انعكاس هذه الظاهرة على الدولة إيجابياً، كما أنه هناك من المختصين من يعرفها بناءاً على أسبابها ومنهم من يعرفها بناءاً على نتائجها والفرق هنا كبير.

– الإدارة الاستراتيجية:
إنّ الإدارة الاستراتيجية كفلسفة ومرتكزات أساسية تقوم على قراءة عملية لبيئة المنظمة وتعمل على دراستها وتحليلها، في ظل اضطلاعها على البيئة الدولية والإقليمية وتحديد أهدافها الاستراتيجية على هذا الأساس، فيجب ألا تتقيد بالموقع الجغرافي للدولة، مع ضرورة مراعاة الظروف والإمكانات والمتغيرات المحلية، ومن ثم التوصل إلى تحديد وصناعة الفرص والإمكانات والوسائل بما يؤدي إلى بلورة الغايات والأهداف الإستراتيجية، من ثم إعداد الخطط الإستراتيجية.

– الإدارة والعولمة:
للعولمة بعض الجوانب الإيجابية فهي تدفع بالدول إلى إدخال الإصلاحات الضرورية على أجهزتها الإدارية والإنتاجية حتى تساير التطور الحاصل في البلدان المتقدمة الأخرى، والانفتاح على الاقتصاديات المتطورة، بشرط وجود شبكة من المؤسسات الفعالة، والبيئة المؤسسة التي تشكل سيادة القانون والنظام المتطور.

– الادارة لدى بعض الفلاسفة:
– فردريك تايلور Frederick Taylor: الإدارة هي القيام بتحديد ما هو مطلوب عمله من العاملين بشكل صحيح ثم التأكد من أنهم يؤدون ما هو مطلوب منهم من أعمال بأفضل وأرخص الطرق.

– رالف دافيز Ralph Davis: الإدارة هي عمل القيادة التنفيذية.

– جون مي Jone f.me: الإدارة هي فن الحصول على أقصى نتائج بأقل جهد حتى يمكن تحقيق آقصى سعادة لكل من صاحب العمل والعاملين مع تقديم أفضل خدمة للمجتمع.
هنري فايول Henri Fayol: تعني الإدرة بالنسبة للمدير أن يتنبأ بالمستقبل ويخطط بناء عليه، وينظم ويصدر التعليمات وينسق ويراقب.

– شيلدون Sheldon: الإدارة وظيفة في الصناعة يتم بموجبها القيام برسم السياسات والتنسيق بين أنشطة الإنتاج والتوزيع والمالية وتصميم الهيكل التنظيمي للمشروع والقيام بأعمال الرقابة النهائية على كافة أعمال التنفيذ.

– وليام وايت William White: إن الإدارة فن ينحصر في توجيه وتنسيق ورقابة عدد من الأشخاص لإنجاز عملية محددة أو تحقيق هدف معلوم.

– ليفنجستون Livingstone: الإدارة هي الوظيفة التي عن طريقها يتم الوصول إلى الهدف بأفضل الطرق وأقلها تكلفة وفي الوقت المناسب وذلك باستخدام الإمكانيات المتاحة للمشروع.

في ضوء التعاريف السابقة يمكننا وضع تعريف أكثر تكاملا للإدارة وذلك على النحو التالي:

الإدارة هي عملية التوجية والتخطيط والتنظيم والتنسيق ودعم العاملين وتشجيعهم، والرقابة علي الموارد المادية والبشرية بهدف الوصول إلى أقصي النتائج بأفضل الطرق وأوفر التكاليف وبأقل جهد ووقت وأكثر جودة.

وتشتمل الإدارة على خمسة وظائف رئيسية وكما هي: التخطيط – التنظيم – التوظيف – التوجية – الرقابة.

* الإدارة والقيادة في فكر الإمام علي (ع):
يمتاز الفكر الإداري عند الإمام علي، بمتانته وتماسكه واستناده إلى قواعد منطقية رصينة، فجاء هذا الفكر متميزاً بخصائص قد لا يظفر بها أيُّ مفكر إداري، فهو فكرٌ إنساني؛ لأنَّه ينظر إلى الإدارة بنظرة إنسانية، فالذي يتحرّك في أُفق الادارة هو الإنسان وليس الآلة، كما أنّ نظرة الإمام علي للمؤسسة الإدارية على أنّها مجتمعِ مصغّر تتضامن فيه جميع المقومات الاجتماعية، وتوصف نظرته إلى الادارة على أنها جهاز منظم وليس خليطاً مِن الفوضى، لهذا الجهاز هدف سامٍ، فالتنظيم لم يوجد عبثاً، بل مِن أجل تحقيق أهداف كبيرة في الحياة , هي الإدارة، كيانٌ اجتماعي حي يعيش في وسط المجتمع يسعى مِن أجل أهداف كبيرة في الحياة. قد لخصها الإمام في مواقف معينة.

– العبودية لله في الإدارة:
يريد الإمام أن يسلط الضوء على سلوكيات المدراء وانطباعاتهم وتصوراتهم وهم في موقع المسؤولية, فهناك انطباعات وسلوكيات تدفع الانسان نحو التسلط وحب الدنيا وحب الجاه. ان خلفية من يحمل هذه السلوكيات والانطباعات وهو في موقع السلطة, لاشك حينما يصل إلى موقع المسؤولية سيتخذ مجموعة من الإجراءات القاسية والقرارات الظالمة ويسير نحو الانحراف في تضيع الأهداف وخدمة الناس , ويعتقد بأن من يعمل تحت أمرته هو عبد له, وليس تعامل رئيس مع مرؤوسين يستحقون الاهتمام والرعاية، بينما الإمام ينظر إلى موقع المسؤولية على أنها محطة لهداية الناس وخدمتهم ومحطة يؤتمن فيها على مصالح الناس يضمن عن طريقها حقوق الاخرين.

فالجانب السلوكي والمعتقد له أثر كبير في مسار أداء المدراء على الاصعدة كافة, إذ يمكن أن يلعب المدير دورا بارزا وسلوكا مغايرا لمعتقداته, لكن على المستوى البعيد لا يستطيع المدير أن يخفي تأثير معتقداته.

وهذه القضية ليست قضية من القضايا الثانوية أو قضية لا صلة لها بموضوع الإدارة والقيادة. فالعبودية لله استحضار العلاقة بين الإنسان وربه، ولها الأثر الرئيس في مجمل السلوك الإداري في كافة المراتب, هذا الاستحضار يجعل الإنسان المسؤول والقيادي الذي يمارس العلاقة الانسانية, وليست العلاقة السلطوية مع غيره من العاملين تحت أمرته.

ومن الجدير بالذكر أنّ الدور الإداري والقيادي يجب أن تتوافر فيه حالة الحزم والقوة, وهذان الأمران يجب أن لا يتقاطعا مع علاقة الانسان وربه وعلاقة المسؤول في سلسلة المراتب ومع من يعمل تحت أمرته.

من هنا يشير الإمام في عهده لمالك الأشتر في قوله:

(فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَصَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَوَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَاللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَابْتَلَاكَ بِهِمْ وَلَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِهِ وَلَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ ….. أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ وَلَيْسَ شَيْ‏ءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ ).

الكلام عن معاقبة المسيء لا يعني أن تتحول طبيعة العمل إلى مجموعة قوانين عقابية وأن تصبح القسوة هي الحاكمة في التعاطي مع المرؤوسين, بل ينبغي بقاء مساحة للتسامح واللين ولا توصل إلى الفوضى ولكنها في نفس الوقت لا تلغي الليونة والفرصة الجديدة. فيبين لنا الإمام في هذا النص علاقة الإنسان بربه، فهي ليست علاقة تجميد وإنّما علاقة انطلاق وتكامل, أي أنّ الإنسان في ذروة الكمال لا يمتلك سوى الرحمة والقدرة التي منحها الله له التي يتصل بها ويتزود منها ويتحرك عبرها.

(وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَةٍ أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ مِنَ الْإِقَامَةِ عَلَى الْعُذْرِ الْوَاضِحِ إِلَيْهِ وَإِلَى خَلْقِهِ مَعَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فِي الْعِبَادِ وَجَمِيلِ الْأَثَرِ فِي الْبِلَادِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَتَضْعِيفِ الْكَرَامَةِ وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ.

* ملخص عن الادارة لدى الامام علي (ع):
– أولا” : الادارة ليست فعلاً ميكانيكياً بل هي مجموعة صفات وخصال تمتزج فيما بينها للحصول على المدير الجيد والإدارة الجيدة، وهي التنظيم، فلا إدارة بدون تنظيم ونظام، فإذا حلَّ نقص التنظيم حلّت محله الفوضى.

ثانيا” : الانسانية بمعنى ان الذي يتحرك ويفعّل الادارة هو الانسان وليس الآلة، فكان لابُد من معرفة الانسان والتعريف على نقاط قوته ونقاط ضعفه، فالادارة الجيدة هي التي تحاول أن تستثمر نقاط القوة في أعضائها وتعالج نقاط الضعف فيهم.

ثالثا” : الحالة الاجتماعية، أي أن الادارة تشكل بمجموعها مجتمعاً منظماً تنشأ فيه العلاقات الانسانية وتنمو فيه الروح الجماعية. وعندما تتحرك هذه الادارة كأنما المجتمع بأسره قد تحرك وهذه النظرة تخالف أولئك الذين ينظرون إلى الادارة وكأنها متكونة مِن أجزاء بشرية متناثرة لا يربطها رابط سوى القوانين الصارمة، كما هي البير وقراطية وبعض مفاهيم العلم الحديث.

رابعا”: الاهداف، فلابد أن يكون للإدارة هدفاً وأن يكون هذا الهدف منسجماً مع أهداف الانسان في الحياة، وبالتالي يجب أن تكون هذه الأهداف منصبة في بناء الإدارة القوية، وهنا نجد أنفسنا أمام دائرة متكاملة شاملة وهي المعبرة عن الفضائل الانسانية والساعية أيضاً إلى تحقيقها في الحياة.

* خلاصة:
لطالما الإنسان كان شغله الشاغل منذ وجوده، اكتشاف نفسه ومحيطه وبيئته، والعمل بداية مع ما أتيح له من موارد طبيعية وقدرة وإمكانية ومعرفة، لاستعمالها والاستفادة منها للاستمرار والبقاء على قيد الحياة في مواجهة الطبيعة وقساوتها وتأمين حاجاته ومتطلباته الأساسية للعيش، مع تطوير نفسه على التكيف مع كل الظروف.

كان الزمن كفيلا بأن يتقدم نحو العلم والمعرفة لبناء الذات والفرد والمجتمع وصولا إلى المدن والحضارة، مسخرا كل ما يحيطه لخدمته ورفاهيته وسعادته وطموحاته التي لا تنتهي…

كل ذلك كان لا بد له من تنظيم أموره وإدارة حياته بشتى الوسائل ومن كل الجوانب وتراكم خبراته، ومع تطوير لغته وكتابته، بدء تأريخ الإنسان وتراكم علومه واكتشافاته وخبراته ، حتى اضحى كوكبنا و الانسان ما هو عليه الآن، بغض النظر عن بعض الجانب السلبي، تبقى الايجابيات أكثر بكثير، لكن ما هو متفق عليه والجميع يشاركه فيه هو علومه.

باختصار أن الإنسان مولود بالفطرة بالسعي نحو الكمال في تنظيم أموره وإدارة شؤون الحياة، والعلم أتى لترشيدها وتثبيتها وتوثيقها وتطويرها وتطويعها لتحقيق غاياته وطموحاته اللامتناهية…

بمعنى آخر الإدارة ليست فن وحسب بل علم أيضا”.

ويبقى الإنسان محور هذا الكون وما يدور في فلكه، بما فضله الله به على سائر الخلق بالمعرفة والعلم.

قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ( البقرة٣١).

( قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) (البقرة ٣٢).

(قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) (البقرة ٣٣ ).

الإرادة لقتل الوقت والإدارة السيف الذي يقطعه.
(الوقت كالسيف ان لم تقطعه قطعك).

هي الإرادة مساحة الحدث والإدارة حداثة المكان.

هي الإرادة شريان حياة الزمان والعقل والامكان والإدارة قلب المكان وساحة التجدد والإتقان.

هي إرادة الإدارة وإدارة الإرادة في كل زمان ومكان وهوية الإنسان.



from وكالة نيوز https://ift.tt/31Xt7uG
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل