حزب الله… خصوصية النهج

بيار أبي صعب

في جريدة «الأخبار»

سأمنح صوتي لحزب الله، ليس لأنه «شيعي» أو «إثني عشري» أو يؤمن بولاية الفقيه. فأنا علماني يساري لا أعترف بالطوائف والمذاهب المسجّلة في الهويّات. صوتي له، ليس لأن أمينه العام دعاني إليه، وهو الذي يختزل في ملامحه صدق «عبد الناصر»، وشجاعة «تشي غيفارا»، وبطولة «هو شي منه»، وحزن «علي» و»الحسين». فأنا لست بتابع لأشخاص.
صوتي لحزب الله، هو أخلاقي بالدرجة الأولى، وسياسي بالدرجة الثانية، ووطني عروبي أممي بكل الدرجات.

أخلاقيّ، لأنه يمثل تجربة فريدة في التاريخ الحديث، لحركة تحرر إلتزمت بالتسامح بعد النصر، وبإشراك الآخرين في الإنجاز، ولو كانوا بعيدين عنه في الزمان والمكان. ولأنه ترفّع عن الإنتقام من كل الجراح التي سببتها له خناجر تجار السياسة والمال والعملاء، رغم امتلاكه كل القوة اللازمة لذلك.
أخلاقيّ، يسمح لي بالنظر إلى عيون أمهات الشهداء، وهن ينظرن باسمات، إلى وجه كل مقاوم أو عابر سبيل، يرون فيه صورة فلذات أكبادهن المدفونة تحت التراب.

سياسي، لأنه قدّم تجربة مستحيلة، جمعت بين السياسة والأخلاق، مع أنهما حسب العرف والتاريخ، كالزيت والماء، لا يجتمعان. يعد ويفي بوعده. الكلمة عنده التزام. شفّاف وواضح وصادق وصريح.

وطنيٌّ، لأنه حرّر الأرض، وأعادها إلى أصحابها، مزارعين وملاكين وأغنياء وفقراء ومؤمنين وملحدين وأصدقاء وأعداء. ثم دافع عنها بدمه في «تموز» البابلي-الفينيقي، الذي ارتدى عباءة المقاومة في لبنان، ووضع على رأسه تاجها، وأعادني إلى حديقتي أزرعها بالورد والياسمين، وأشرب في ظلالها قهوة الصباح.

عروبيٌّ، لأن فلسطين في صلب ثقافته ووعيه وإيمانه. ولأنه يعرف بأنها رمز نكبتنا وهزيمتنا وانكسارنا وبؤسنا الحضاري والمعرفي. وبأن إسرائيل هي الوكيل المطلق للإستعمار في المنطقة. وعلى عاتقها يقع الإبقاء على شرق أوسط مضطرب، يبيع النفط ويشتري السلاح، ويرتهن بأنظمته إلى غرب لا يرى فينا إلا سوقاً للإستهلاك، وحقلاً للرماية، واقتصاداً تابعاً لا ينتج إلا مغتربين في أربع رياح الأرض.

أممي، لأن فنزويللا وكوبا والشعوب الساعية إلى التحرر وبناء تجربتها الخاصة، بعيداً عن الهيمنة والإذلال والتجويع والحصار، هي أقرب إليه من ممالك التيه والرمل والصولجانات المذهبة. ولأن رؤيته للإنسان والكرامة والعدالة والحق في العيش الكريم، هي رؤية نابعة من تراث وثقافة، ورموز يشير إليها التاريخ بالأسماء والوقائع. وهي تتقاطع مع رؤى كل أحرار العالم، بمعزل عن أديانهم وطوائفهم وقومياتهم.

أصوّت له لهذه الأسباب، أما الحديث عن القمح والزؤان، فهو مؤجل. فللحقل أولوية حتى يكون حصاد. أما المواسم القادمة، فلها حديث آخر وغربال.



from وكالة نيوز https://ift.tt/3kQ8OWV
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل