الانحراف المسيحي أطلق شرارة الثورة

“ليبانون ديبايت” – ايلي بدران

بعد مرور خمس اسابيع على انطلاق الثورة لم يتبدل شيء في الشكل رغم انجازاته الكثيرة في المضمون، الرئيس مستمر بالبدع الدستورية وآخر سيناريو وضع التأليف قبل التشكيل، بدع دستورية لا تمت الى الديمقراطية بصلة، منها مثلا الديمقراطية التوافقية، والثلث المعطل، وتعطيل انتخابات الرئاسة لوصول الاكثر تمثيلا، مع احتفالنا بمئوية لبنان الكبير لم ينتهك الدستور ولم تشوه اللعبة السياسية الداخلية سوى في العقد الاخير منه. في زمن الحرب الاهلية لم تتعطل انتخابات الرئاسة وتأمن النصاب النيابي رغم الانقسام الحاد بين مكونات مجلس النواب.

العميد ريمون اده والرئيس كميل شمعون وبيار الجميل، حرصوا على عدم اختزال التمثيل الشعبي بأشخاصهم، في اوج قوتهم ويوم اعلان الحلف الثلاثي تحالفوا مع شخصيات سياسية مستقلة في كل قضاء، الحلف الثلاثي الذي اوصل الرئيس سليمان فرنجية رئيسا بفارق صوت واحد، لكن كتلهم النيابية كانت متواضعة التمثيل في المجلس النيابي 7 نواب كتائب، و10 للكتلة الوطنية، و13 لحزب الوطنيين الاحرار، بينما خاض التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية الانتخابات في مشهد تنافسي وحاد اوصل 44 نائب حزبي لهما في مشهد يختزل كل القوى السياسية في الشارع المسيحي.

قد تكون التجربة الشيعية هي القاعدة، بحيث لا يعلو صوت فوق صوت خط الممانعة من البقاع الى الجنوب، ذلك الاستثناء وقع في فخه المجتمع المسيحي وبات القاعدة التي على اساسها يقترع المواطن لممثليه في المجلس النيابي، تم القضاء نهائيا على التنوع والاختلاف داخل الشارع المسيحي، وحتى النواب المستقلون الفائزون ومع اندلاع الثورة اعادوا تموضعهم، فبتنا نسمع اعتراضات النائب ميشال معوض واصراره على تمايزه، النائب نعمة افرام اعلن الطلاق مع كتلة “الحزب الحاكم”، وقد يكون صوت النائب شامل روكز الاعلى ربما لتصفية حسابات داخلية مع التيار الوطني الحر في حين يعيدها البعض الى استمرار حضور التيار شعبيا اذا ما استمرت الثورة وشعار “كلن يعني كلن”، باستبدال جبران باسيل بشامل روكز.

بعد خطاب رئيس الجمهورية الاخير واصراره على ضرورة الحوار مع الحراك مطالبا الثوار بتحديد مطالبهم، رغم اصواتهم التي تصدح في كل الساحات ومطالبهم الثلاثة الواضحة، اسقاط الحكومة، تشكيل حكومة تكنوقراط، الذهاب الى انتخابات نيابية مبكرة، المطالب واضحة ولا حاجة لمناقشتها، لكن المنظومة الحاكمة اعتادت على ان تتفاوض و”تدور” زوايا مع شريحة سياسية طامحة للسلطة وترغب برفع حصتها.

الثورة اليوم لم تُفهم احزاب السلطة حتى الساعة انها انتفاضة شعبية عارمة على تلك الاحزاب، ثورة اساها سحب الثقة التي اوكلها الشعب الى ممثليه في المجلس النيابي، ثورة تدين الطبقة السياسية وترغب بمحاكمتها على ادارتها للمال العام، ثورة على النظام الاقتصادي وادارة مقدرات البلد التي اوصلتنا جميعا الى الفقر، بينما تمعن احزاب السلطة بتجاهل عصب تلك الثورة وتصوير لاعب اضافي ينوي الدخول الى نادي الاحزاب الحاكمة.

تقدم قائد القوات اللبنانية باستقالة وزراء القوات من الحكومة، بعد ان لمس ان أنصار القوات باتوا يحرقون الاطارات ويقطعون الطرقات ولم ينتظر هؤلاء قرار معراب، العونيون الذين يمزقون بطاقاتهم الحزبية في الساحات، مقتل علاء ابو فخر الاشتراكي حتى النخاع الشوكي لم ينتظر المختارة، نعيش اليوم في ثورة يذوب فيها الحزبيون ويتماهون مع حراك شعبي بعيد عن اجندات الاحزاب وحساباتها السلطوية.

باختصار يعيش لبنان اليوم ثورة ثقافية تمردية على الامر الواقع الذي فرضته السلطة عليها، وربما من أكثر الشخصيات التي تحملها الثورة مسؤولية ما وصلت اليه الامور رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، وهذا ما يفسر كمية السباب التي وجهت اليه في الايام الاولى لاندلاعها.

محاولات شيطنة الثورة التي فشلت فيها السلطة حتى الساعة اشارة واضحة ان عزيمة الثوار اقوى واعمق من تشويه صورتهم، والتصاريح التي تتهم الاحزاب بالمشاركة في الثورة لضرب العهد وسيده مردودة، وان كان حزب الكتائب اللبنانية الاجرأ بين الاحزاب بدعوة مناصريه للمشاركة في الثورة لأنه بالأساس انتقل الى المعارضة منذ سنوات وحذر احزاب السلطة من الغضب الشعبي الآتي لا محال، وتصريح رئيس الحزب سامي الجميل في آخر جلسة عامة للمجلس النيابي قالها بوضوح ربما لن نجتمع مرة اخرى في المجلس النيابي لان الشعب لم يعد يحتمل وسيثور بوجه الجميع.

الاستمرار بالثورة امر مؤكد وواقعي اذا ما استمرت المنظومة الحاكمة بغض النظر وعدم الاستماع الى ارادة الثوار الحرة، القتل والترهيب والتحطيم والقمع لم لا اهمية له بعد اليوم، ايقاع الثورة صوته اقوى، وربما سياسات محور الممانعة من لبنان الى سوريا الى العراق وصولا الى ايران مراده الى العقوبات الاقتصادية على تلك الدول، وربما تجفيف منابع الارهاب جزء من اندلاع تلك الثورة وربما وربما وربما… الخ، لكن في نهاية نفق “المؤامرة” الذي ترفعه احزاب الممناعة نسمع ترددات هتافات قوية تقول: اذا الشعب يوما اراد الحياة لا بد ان يستجيب القدر.



from شبكة وكالة نيوز https://ift.tt/2OcJIEh
via IFTTT

0 comments:

إعلانات جوجل

إعلانات جوجل